المثقف    السنة الثالثة     العدد: 898   الأحد  23/ 11 / 2008
إسلام الإنسان أرسل لصديق
جمال البنا   
Wednesday, 02 May 2007

القضية المحورية في الإسلام، والتي يكون منها المنطلق، هي أن الله تعالي أراد أن يجعل الإنسان خليفة له علي الأرض، ووضع العوامل التي تحقق هذه المشيئة أفضل تحقيق سواء كان ذلك بالنسبة للزمان والمكان، أي الوقت الذي

يأتي بعد اليهودية والمسيحية، ويكون بمثابة النهاية لمسيرة البشرية كما أراد للإسلام أن يظهر في صحراء العرب علي وجه التعيين، وجعل الطبيعة الإنسانية، وطبيعة الإسلام تتلاقيان في الوقت والمكان المعينين، وبالتالي فإن كل الخيوط تتلاقي في العوامل وتتفاعل لتحقيق المشيئة الإلهية التي تتبلور في إسلام الإنسان الذي مَثل الأساس النظري والكيان العملي لخلافة الإنسان إسلام الإنسان .

 

جاء الإسلام بعد أن مضي ستة قرون علي المسيحية، وبعد أن طال الجدل حول طبيعة الأقانيم الثلاثة وعلاقتها ببعضها، وبعد أن توصلت الكنيسة إلي وجود قوي وبارز دون أن تحل المشكلة اللاهوتية للأقانيم، وما كان يمكن لهذه الافتراضات اللاهوتية أن تحل إلا بظهور الإسلام الذي يقدم رؤيته عن الله .

 

وظهر الإسلام في شبه جزيرة العرب حيث تنبسط الصحراء كالبحر وتنطلق الرياح كالعواصف، وبين أقوام لم يكدحوا بأيديهم في الأرض، ولم يحملوا علي ظهورهم الحجر، مما شغل حياة الناس في العهود القديمة، ولم تذل رقابهم لملك أو إمبراطور، ولم يخضعوا لمران النظم وضبطها وربطها، كانوا أحراراً يعيشون عيشة البداوة وتحكمهم الفطرة أو العرف، ويعيشون في خيام أو في بيوت ساذجة ويتحملون الحر اللافح نهاراً والبرد القارص ليلاً، ويعبدون آلهة من صنعهم فما كانت تملك تحريماً أو تحليلاً أو تفرض قداسة أو تابو من أي نوع، ولم يكن لديهم ميثولوجيا كالميثولوجيا اليونانية، أو الميثولوجيا العبرية (وهي التوراة وما أضيف إليها من أساطير وروايات)، تثقل كاهلهم وتعقد أفهامهم، كانوا مثل الفايكنج لديهم الجرأة، والشجاعة، والثقة في النفس، والإقدام.

 

وكان البساط الأصفر المترامي للصحراء، والرياح المنطلقة دون ما يصدها من جبال تمثل أبرز خصيصتين لهذا المجتمع : المساواة والحرية، فلم يعرف المجتمع العربي القديم النظم الطبقية، ولا الألقاب الوراثية، ولا الحواجز ما بين الطبقة العليا والطبقة الدنيا، التي كانت مألوفة في الإمبراطورية الرومانية، والفارسية، وواصلت البقاء حتي الثورة الفرنسية وظلت بقاياها حتي الآن في بعض المجتمعات التي تحمل أرستقراطيتها الألقاب الموروثة، إن العرب لم يعرفوا الأرستقراطية المقننة حتي عندما وصلوا إلي المرحلة الإمبراطورية، فالحضارات القديمة لم تستطع أن تخترق أساس المساواة الذي غرسته البادية وعززه الإسلام.

 

يماثل هذا أيضًا عدم وجود كنيسة في الوثنية العربية الساذجة، ولا لاهوت، ولا مؤسسة دينية يكون لرجالها درجات ومراتب وأزياء وتنظيم كهنوتي وحقوق في التحريم والتحليل.

 

وكانت البيئة الصحراوية البدوية الساذجة قد استغنت عن الألقاب بالكنية، أي يحمل الأب اسم الابن الأكبر، فيقال أبو فلان وأم فلانة .

 

كانت آثار التاريخ والجغرافيا علي المجتمع العربي تجعل هذا المجتمع إنسانيًا بطريقته الخاصة بحيث تأخذ القبيلة شكلاً جماعيًا هو أقدر التنظيمات الجماعية علي تحقيق فكرة الديمقراطية عن حكم الشعب بنفسه، فلم يكن هناك قانون مؤله، ولا حكومة مركزية، ولم يكن غريبًا عن تحقيق - بطريقته الخاصة - نوع من الديمقراطية.

 

وهكذا نري أن هذا العامل - التاريخي الجغرافي - يميل في اتجاه يجعله يتجاوب مع عامل آخر، هو تصور الإسلام لطبيعة الإنسان.

 

كيف تصور الإسلام الطبيعة البشرية؟

 

ان القرآن الكريم عندما عالج قضية الخلق، لم يسلك مسلك التوراة فيتحدث عما خلقه في كل يوم من الأيام الستة حتي جاء اليوم السابع فيعطيه إجازة وراحة، أنه عندما أشار إلي خلق السموات والأرض تحدث عنها باعتبارها دليلاً علي وجود الله والإيمان به، ولأنها علي روعتها فهناك ما هو أكثر روعة هو الإنسان الذي بعد أن تحدث عن طريقة خلقه - كما سنشير إليها لاحقاً - تابع الحديث عنه في كل صفحات المصحف بحيث يمكن القول أن القرآن كتاب يتحدث عن الإنسان في شبابه وشيخوخته، في غناه وفقره، في أمله ويأسه، في صحته ومرضه، في استشرافه للهدي واستسلامه للشهوة، فهو في حقيقته كتاب عن الإنسان.

 

وعندما أشار إلي خلق آدم اختلفت رواية القرآن عن رواية التوراة، فقد خلقه الله من طين لازب فأعطاه الطبيعة الأرضية ونفخ فيه من روحه فأعطاه العقل، والضمير، والوعي، والإرادة، ثم علمه الأسماء، وهو لا يسلك مسلك التوراة في تحديد الأشياء وأسمائها لآدم، ولكن يقول (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا) باعتبار أنها مفاتيح المعرفة، بعد هذا قرر أن يجعل الإنسان خليفة له في الأرض، ولما أعربت الملائكة عن دهشتها، أجري بين آدم وبين الملائكة مناظرة، تميز فيها آدم علي الملائكة بفضل معرفته الأسماء، وأمر الله تعالي الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس وهو الشخصية التي يرمز بها الإسلام للشر، ولإغواء آدم، وتكريم للإنسان في دين يقوم علي التوحيد الصلب لله يكون أعظم تكريم يقدمه هو أن يوجد خليفة لله.

 

ولكن الطبيعة البشرية معقدة ومركبة، تتلاقي فيها الأضداد، فقد ورثت عن أصلها الطيني غرائز مادية، وأنانية تجعلها تميل للشهوات من مال، أو جاه، أو نساء، أو نفوذ، أو سلطان، كما ورثت من نفخة الله الضمير، والوعي، والإرادة، كما أنها بفضل تهيئة الله تعالي عندما علمها الأسماء كلها أي وضع في يدها مفاتيح المعرفة بحيث يمكن أن ترتاد عالم العلم العجيب وما يتيحه لها من إمكانيات.

 

كانت الطبيعة البشرية كالنفط، فيه القار الثقيل الذي يستخدم لرصف الطرق ووظيفته أن يوطأ بالأقدام وهو مفيد لأن هذه وظيفة نافعة ومطلوبة، ومنه البنزين الخفيف الذي تطير به الطائرات، وما بين القار الثقيل والبنزين الخفيف تروح وتجيء النفس البشرية بين نجدين من خير وشر، فجور وتقوي، وإيثار وأثرة.

 

وأراد الله تعالي أن يختبرها، فسلط عليها الشيطان، وأعطي هذا الشيطان شيك علي بياض لخداع الإنسان وتضليله وصرح له باستخدام كل قدراته الفائقة التي يتميز بها عن الإنسان، وأن يستمر في أداء دوره حتي يوم الساعة، فطرح علي الطبيعة الإنسانية قسمة جهادية، وجعل الحياة مجالاً فسيحًا يعرض فيه القوي قوته ويكشف فيها الضعيف ضعفه، ووضع نظامًا للثواب والعقاب في الحياة الآخرة، كما أنه أعانها بأمرين عظيمين هداية الأديان من ناحية وقيادة الأنبياء القيادة الرشيدة التي لا تتوفر إلا عند الأنبياء.

 

ولكن الطبيعة البشرية رغم هذا، وبحكم النفخة الإلهية فيها توق للإيمان وإحساس مبهم بوجود الله، وقدرة ما علي التمييز ما بين الخير والشر، والإسلام يطلق علي هذه الملكة الفطرة التي يولد بها كل الأطفال حتي يتولي الأبوان توجيه هذه النزعة الإيمانية إلي الدين السائد يهودية، أو مسيحية، أو بوذية .. الخ.

 

وأخيرًا لنأت إلي طبيعة الإسلام التي أرادها الله له ليمكن للإنسان ممارسة المسئولية العظمي، خلافة الله علي الأرض وتطبيق إسلام الإنسان .

 

كان علي طبيعة الإسلام هذه أن تتلاءم مع مقتضيات ممارسة مسئولية الخلافة خاصة وقد هيئ الله تعالي الزمان والمكان والطبيعة البشرية لتقبل ذلك، وبقي أن تأتي طبيعة الإسلام سائرة في الاتجاه نفسه.

 

وعندما قال الرسول إن الإسلام دين الفطرة فإنه صرح بأن الإسلام دين الإنسان، وأنه إنما جاء لدعم هذا الإنسان وتحقيق سيادته علي الأرض.

الراية القطرية

 

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليقا: سيحجب كل تعليق لا يلتزم بضوابط النشر
smaller | bigger

busy